أبحاث فى التغذية
14 أكتوبر، 2026
38
كشفت دراسة علمية حديثة أجراها باحثون يابانيون عن مؤشر جديد في الدم قد يساعد على اكتشاف مرضى الكبد الدهني الأكثر عرضة للإصابة بمضاعفات خطيرة، حتى لدى الأشخاص الذين لا يعانون من تليف متقدم في الكبد.
ووفقًا لما نشره موقع «تايمز ناو»، فإن ارتفاع مستويات أحد الأجسام المضادة، المعروف باسم الجلوبولين المناعي «IgA»، قد يكون علامة تحذيرية تشير إلى زيادة احتمالات تطور مرض الكبد الدهني المرتبط باضطرابات التمثيل الغذائي، ما يفتح الباب أمام وسائل أكثر دقة لتقييم مخاطر المرض ومتابعة المصابين به.
ما علاقة الأجسام المضادة بالإصابة بالكبد الدهني؟
يُعد مرض الكبد الدهني المرتبط بخلل التمثيل الغذائي، المعروف علميًا باسم «MASLD»، من المشكلات الصحية المرتبطة بالسمنة والسكري واضطرابات التمثيل الغذائي.
وتختلف طبيعة المرض من شخص إلى آخر؛ إذ يمكن أن يظل مستقرًا لسنوات دون حدوث مضاعفات خطيرة، بينما قد يتطور لدى بعض المصابين إلى تليف الكبد أو مشكلات صحية أكثر خطورة.
وعادةً ما يعتمد الأطباء على درجة التليف لتحديد احتمالات تطور المرض، إلا أن بعض المرضى قد يواجهون مضاعفات كبدية رغم عدم وصولهم إلى مراحل متقدمة من التليف.
ودفع ذلك العلماء إلى البحث عن مؤشرات إضافية تساعد على اكتشاف الأشخاص الأكثر عرضة للخطر، وكان من أبرزها الجلوبولين المناعي «IgA»، وهو جسم مضاد ينتجه الجهاز المناعي للمساعدة في حماية الجسم من مسببات الأمراض، خاصة في الأغشية المخاطية والأمعاء.
دراسة يابانية تكشف نتائج مهمة على 349 مريضًا
أجرى الدراسة فريق بحثي من كلية الطب بجامعة شينشو اليابانية، بقيادة الباحث تاكيفومي كيمورا، وبمشاركة عدد من المتخصصين، ونُشرت نتائجها في مجلة علم الكبد.
واعتمد الباحثون على تحليل البيانات الطبية ونتائج الفحوصات المعملية لـ349 مريضًا جرى تشخيص إصابتهم بالكبد الدهني باستخدام خزعة الكبد.
وقُسم المشاركون إلى أربع مجموعات وفقًا لخصائصهم الصحية، ولاحظ العلماء أن إحدى المجموعات سجلت ارتفاعًا واضحًا في مستويات الأجسام المضادة «IgA».
كما تميز أفراد هذه المجموعة بعدة عوامل صحية، أبرزها التقدم في العمر، وانخفاض عدد الصفائح الدموية، وزيادة معدلات الإصابة بالسكري، إلى جانب ارتفاع احتمالات وجود تليف متقدم في الكبد.
ارتفاع الأجسام المضادة قد ينذر بمضاعفات خطيرة
خلال فترة متابعة بلغ متوسطها 6.8 سنوات، رصد الباحثون حدوث 20 حالة من المضاعفات المرتبطة بالكبد بين المشاركين في الدراسة.
وأظهرت النتائج أن نحو 24% من المرضى المنتمين إلى المجموعة التي ارتفعت لديها مستويات «IgA» تعرضوا لمضاعفات كبدية خلال خمس سنوات.
ووجد العلماء أيضًا أن ارتفاع مستوى هذا الجسم المضاد إلى 318 ملليجرامًا لكل ديسيلتر أو أكثر ارتبط بزيادة مخاطر المضاعفات، حتى بعد أخذ درجة تليف الكبد في الاعتبار.
وتشير هذه النتائج إلى أن قياس مستويات «IgA» قد يضيف معلومات مهمة إلى الفحوصات التقليدية المستخدمة لتقييم حالة مرضى الكبد الدهني.
التليف وارتفاع IgA معًا يضاعفان المخاطر
من أبرز النتائج التي توصلت إليها الدراسة أن اجتماع ارتفاع مستويات الجلوبولين المناعي «IgA» مع وجود تليف متقدم في الكبد ارتبط بزيادة كبيرة في احتمالات حدوث مضاعفات.
ووفقًا لتقديرات الباحثين، وصل احتمال التعرض لمضاعفات كبدية خلال عشر سنوات إلى نحو 48% لدى المرضى الذين اجتمعت لديهم العلامتان.
في المقابل، انخفضت هذه النسبة إلى أقل من 5% لدى بقية المرضى الذين شملتهم المقارنة.
ورغم أهمية هذه الأرقام، أكد الباحثون أن النتائج تعكس خصائص المشاركين في الدراسة، ولا تعني بالضرورة أن النسب نفسها تنطبق على جميع المصابين بالكبد الدهني.
نتائج إضافية تؤكد أهمية المؤشر الجديد
لم يكتفِ الفريق الياباني بتحليل بيانات المجموعة الأساسية، بل استعان بمجموعات أخرى من المرضى للتحقق من النتائج.
وشملت إحدى المجموعات 287 مريضًا لم يخضعوا لخزعة الكبد، وأظهرت التحليلات ارتفاع مستويات «IgA» بصورة ملحوظة لدى الأشخاص الذين تعرضوا لمضاعفات كبدية.
كما أظهرت بيانات مجموعة مستقلة أخرى، ضمت 272 مريضًا من عدة مراكز طبية، نتائج مشابهة، ما عزز الأدلة على وجود ارتباط بين ارتفاع هذا الجسم المضاد وزيادة مخاطر تطور المرض.
ويرى العلماء أن هذه النتائج تكشف أن الكبد الدهني ليس مرضًا يتطور بالطريقة نفسها لدى جميع المصابين، بل توجد اختلافات بيولوجية ومناعية قد تؤثر في مساره.
هل توجد علاقة بين الأمعاء وتدهور صحة الكبد؟
حاول الباحثون فهم الأسباب المحتملة وراء ارتباط ارتفاع مستويات «IgA» بالمضاعفات الكبدية.
وأظهرت الفحوصات وجود زيادة في الخلايا المرتبطة بهذا الجسم المضاد داخل أنسجة الأمعاء لدى بعض المرضى المصابين بالتليف المتقدم، إلى جانب مؤشرات قد تدل على اضطراب وظيفة الحاجز المعوي.
كما رصد العلماء ارتفاع نشاط جين يعرف باسم «IGHA1»، المرتبط بإنتاج الجلوبولين المناعي «IgA»، داخل أنسجة الكبد لدى المصابين بالتليف المتقدم.
ولاحظ الباحثون كذلك وجود تغيرات في نشاط بعض الخلايا المناعية، خاصة الخلايا البائية المسؤولة عن إنتاج الأجسام المضادة، بالتزامن مع التغيرات النسيجية المرتبطة بتندب الكبد.
وتدعم هذه النتائج احتمال وجود علاقة بين الجهاز المناعي وصحة الأمعاء وتطور أمراض الكبد، فيما يعرف علميًا بمحور الأمعاء والكبد.
ومع ذلك، فإن الدراسة لم تثبت أن ارتفاع «IgA» هو السبب المباشر في حدوث المضاعفات، وإنما كشفت عن ارتباط يستحق مزيدًا من البحث.
هل يمكن اكتشاف مضاعفات الكبد الدهني بتحليل الدم؟
تفتح النتائج الباب أمام إمكانية استخدام تحليل الجلوبولين المناعي «IgA» مستقبلًا باعتباره أداة مساعدة للأطباء في تقييم احتمالات تطور الكبد الدهني.
وقد يكون لهذا التحليل دور مهم عند دمجه مع فحوصات التليف والتقييم الطبي الشامل، للمساعدة في تحديد المرضى الذين يحتاجون إلى متابعة أكثر دقة.
لكن الباحثين شددوا على أن النتائج لا تعني اعتماد تحليل «IgA» حاليًا بوصفه اختبارًا مستقلًا لتشخيص المرض أو التنبؤ المؤكد بمضاعفاته.
كما أن ارتفاع هذا الجسم المضاد قد يرتبط بحالات صحية أخرى، ولذلك لا يمكن تفسير نتيجته بمعزل عن التاريخ المرضي والفحوصات الأخرى.
ويحتاج العلماء إلى إجراء دراسات أكبر تشمل أعدادًا أوسع من المرضى، مع متابعتهم لفترات طويلة، للتأكد من دقة المؤشر وإمكانية تطبيقه في الممارسة الطبية.
كيف تحمي نفسك من مضاعفات الكبد الدهني؟
رغم أهمية المؤشرات الجديدة التي كشفت عنها الدراسة، تظل المتابعة الطبية والتحكم في عوامل الخطر من أهم الوسائل للحد من تطور مرض الكبد الدهني.
وينصح الأطباء بالحفاظ على وزن صحي، واتباع نظام غذائي متوازن، وممارسة النشاط البدني بانتظام، إلى جانب ضبط مستويات السكر والدهون في الدم، وتجنب المشروبات الكحولية.
كما يُنصح المصابون بالكبد الدهني بالالتزام بالفحوصات الدورية التي يحددها الطبيب، خاصة عند وجود السكري أو السمنة أو مؤشرات على تليف الكبد.
وتؤكد الدراسة اليابانية أن ارتفاع مستويات «IgA» قد يصبح مستقبلًا علامة مهمة تساعد الأطباء على اكتشاف مرضى الكبد الدهني الأكثر عرضة للمضاعفات، قبل وصول بعضهم إلى مراحل متقدمة من المرض، وهو ما قد يسهم في تحسين المتابعة الطبية وتقليل المخاطر الصحية على المدى الطويل.