يعاني ملايين الأشخاص حول العالم من اضطرابات متكررة في الجهاز الهضمي دون أن تظهر الفحوصات الطبية التقليدية سببًا عضويًا واضحًا. وتُعد متلازمة القولون العصبي من أكثر هذه الاضطرابات شيوعًا، إذ تسبب أعراضًا مزعجة ومستمرة قد تؤثر على النشاط اليومي والحالة النفسية وجودة الحياة.
ويشكو المصابون بالقولون العصبي غالبًا من تقلصات في البطن، وانتفاخ متكرر، واضطراب في عملية الإخراج، سواء على شكل إمساك أو إسهال أو تناوب بين الحالتين.
وبحسب تقرير نشره موقع Health، يتجه الباحثون إلى النظر للقولون العصبي باعتباره نتيجة خلل معقد في العلاقة بين الدماغ والجهاز الهضمي، مع تداخل عوامل أخرى مثل المناعة، والبكتيريا المعوية، والحالة النفسية، والاستعداد الوراثي. وهذا ما يفسر اختلاف الأعراض من شخص لآخر.
خلل في التواصل بين الأمعاء والدماغ
لا يعمل الجهاز الهضمي بمعزل عن الدماغ، بل توجد بينهما شبكة اتصال دقيقة تنظم حركة الأمعاء والإحساس بالألم ووظائف الهضم المختلفة.
وعندما يحدث اضطراب في هذا التواصل، قد ترسل الأمعاء إشارات مبالغًا فيها إلى الدماغ، فيشعر المريض بالألم أو الانزعاج حتى أثناء العمليات الهضمية الطبيعية التي لا تسبب مشكلة لدى غير المصابين.
وقد يؤدي هذا الخلل أيضًا إلى تغير سرعة حركة الطعام داخل الأمعاء. فإذا زادت الحركة ظهرت نوبات الإسهال، وإذا تباطأت حدث الإمساك، بينما يعاني بعض المرضى من تناوب بين الحالتين.
ويرى الأطباء أن التوتر والضغوط النفسية المستمرة قد تزيد هذا الاضطراب، لأنها تؤثر في الإشارات العصبية المسؤولة عن تنظيم الهضم، وهو ما يفسر تدهور الأعراض خلال فترات القلق والانفعال.
تأثير الصدمات والضغوط النفسية
تشير ملاحظات طبية إلى أن بعض المصابين بالقولون العصبي مروا بتجارب نفسية قاسية أو ضغوط شديدة في مراحل مبكرة من حياتهم، وقد تترك هذه التجارب أثرًا طويل المدى على الجهاز العصبي وطريقة استجابة الجسم للألم.
كما يرتبط القلق والاكتئاب بزيادة شدة الأعراض لدى عدد كبير من المرضى. ولا يعني ذلك أن القولون العصبي مرض نفسي فقط، بل يشير إلى العلاقة الوثيقة بين الحالة النفسية ووظائف الأمعاء.
فالتوتر المستمر قد يغير حركة القولون ويزيد حساسية الجهاز الهضمي، ما يجعل الأعراض أكثر وضوحًا وإزعاجًا.
دور البكتيريا المعوية
تعيش داخل الأمعاء تريليونات من الكائنات الدقيقة التي تساهم في الهضم وتنظيم المناعة والحفاظ على توازن الجهاز الهضمي.
وعندما يختل هذا التوازن، قد تبدأ الأعراض بالظهور. فقد ربطت بعض الدراسات بين القولون العصبي ونقص البكتيريا النافعة أو زيادة بعض الأنواع الضارة داخل الأمعاء.
وقد يحدث هذا الخلل بعد الإصابة بعدوى معوية، أو نتيجة استخدام المضادات الحيوية لفترات طويلة، أو بسبب التهابات بسيطة مزمنة داخل الجهاز الهضمي.
ويمكن أن يؤثر اضطراب البكتيريا المعوية على حساسية الأمعاء وحركتها، وكذلك على طريقة تواصل الجهاز الهضمي مع الدماغ.
حساسية زائدة في الجهاز العصبي المعوي
تحتوي جدران الأمعاء على شبكة عصبية معقدة تتحكم في حركة الطعام وإفراز العصارات الهضمية. ولدى مرضى القولون العصبي، قد تصبح هذه الشبكة أكثر حساسية من المعتاد.
لذلك يشعر المريض بتقلصات أو ألم واضح حتى مع مرور الطعام أو الغازات بصورة طبيعية.
ويلعب السيروتونين دورًا مهمًا في تنظيم حركة الأمعاء. فارتفاع مستوياته قد يرتبط بسرعة حركة الجهاز الهضمي وحدوث الإسهال، بينما قد يساهم انخفاضه في بطء الحركة وظهور الإمساك.
هل للمناعة دور في القولون العصبي؟
رغم أن القولون العصبي لا يُصنف كمرض التهابي تقليدي، فإن بعض الأبحاث رصدت وجود التهابات طفيفة لدى بعض المرضى.
وقد تنتج هذه الحالة عن تفاعل مناعي زائد تجاه بعض الأطعمة، أو بسبب اختلال التوازن البكتيري داخل الأمعاء.
كما يلاحظ بعض المرضى أن أعراضهم تزداد بعد تناول أطعمة معينة مثل منتجات الألبان أو القمح أو البيض. وتختلف المحفزات الغذائية من شخص لآخر، لذلك لا توجد قائمة واحدة تناسب جميع المصابين.
العامل الوراثي ونمط الحياة
وجود تاريخ عائلي للإصابة بالقولون العصبي قد يزيد احتمالات ظهور الحالة لدى الأبناء أو الأقارب، ما يشير إلى احتمال وجود دور وراثي.
كما كشفت بعض الدراسات عن علاقة بين جينات معينة واضطرابات المزاج والقلق لدى مرضى القولون العصبي، وهو ما يدعم فكرة الترابط بين الجهاز العصبي والجهاز الهضمي.
لكن الوراثة وحدها لا تكفي لحدوث المرض، إذ تتداخل معها عوامل متعددة مثل النظام الغذائي، والضغوط النفسية، ونمط الحياة، وجودة النوم.
من الأكثر عرضة للإصابة؟
يمكن أن تظهر متلازمة القولون العصبي في أعمار مختلفة، لكنها غالبًا تبدأ قبل سن الخمسين. كما تُسجل النساء معدلات إصابة أعلى من الرجال، وهو ما قد يرتبط بعوامل هرمونية وعصبية تؤثر في وظائف الجهاز الهضمي.
وقد ترتفع احتمالات الإصابة أيضًا لدى المدخنين، ومن يعانون نقص فيتامين د، أو من تعرضوا سابقًا لعدوى معوية شديدة.
التعامل مع القولون العصبي
لا يعتمد التعامل مع القولون العصبي على الأدوية فقط، بل يحتاج غالبًا إلى تغييرات في نمط الحياة.
وقد يساعد تحسين النوم، وتقليل التوتر، وشرب كمية كافية من الماء، وزيادة الألياف بشكل تدريجي على تخفيف الأعراض لدى بعض المرضى.
كما يُنصح بمتابعة الأطعمة التي تثير الأعراض وتدوينها، لأن المحفزات تختلف من شخص لآخر. وتبقى استشارة الطبيب ضرورية لتحديد الخطة المناسبة وفقًا لنوع الأعراض وشدتها، سواء كانت إمساكًا أو إسهالًا أو انتفاخًا أو ألمًا متكررًا.
وفي النهاية، فإن القولون العصبي ليس مجرد اضطراب هضمي بسيط، بل حالة معقدة تتداخل فيها الأمعاء مع الدماغ والمناعة والبكتيريا والعوامل النفسية، ما يجعل فهمها بشكل صحيح خطوة أساسية للسيطرة على أعراضها وتحسين جودة الحياة.