أبحاث فى التغذية
12 مايو، 2026
8
في ظل الارتفاع العالمي لمعدلات القلق والاكتئاب، تتجه الأبحاث العلمية إلى دراسة عوامل يومية بسيطة قد تساعد في دعم الصحة النفسية وتحسين المزاج. ومن بين هذه العوامل تبرز القهوة، باعتبارها من أكثر المشروبات استهلاكًا حول العالم، ليس فقط لدورها في زيادة اليقظة، بل لاحتمال ارتباطها بتأثيرات إيجابية على التوازن النفسي.
وسلطت دراسة حديثة أجراها باحثون من جامعة فودان الصينية الضوء على العلاقة بين استهلاك القهوة واضطرابات المزاج والتوتر، وذلك من خلال تحليل بيانات أكثر من 400 ألف شخص ضمن قاعدة بيانات البنك الحيوي البريطاني.
وتابعت الدراسة الحالة الصحية والعادات الغذائية لـ 461,586 مشاركًا على مدار أكثر من 13 عامًا. وخلال فترة المتابعة، تم تسجيل أكثر من 18 ألف حالة جديدة من اضطرابات المزاج، وعدد قريب من ذلك من اضطرابات التوتر، ما أتاح للباحثين فرصة واسعة لفهم العلاقة بين القهوة والصحة النفسية.
وأظهرت النتائج أن الاعتدال في شرب القهوة قد يكون العامل الأهم، إذ ارتبط تناول كوبين إلى 3 أكواب يوميًا بأقل مستوى من مخاطر الإصابة باضطرابات المزاج والتوتر. في المقابل، لم يظهر الامتناع شبه الكامل أو الإفراط في شرب القهوة الفائدة نفسها.
وتشير النتائج إلى نمط يشبه حرف J، حيث تبلغ الفوائد ذروتها عند الاستهلاك المعتدل، ثم تبدأ في التراجع مع زيادة الكمية. ووجدت الدراسة أن تناول 5 أكواب أو أكثر يوميًا قد يرتبط بارتفاع خطر اضطرابات المزاج، وهو ما يعكس التأثير المعقد للقهوة على الدماغ والجهاز العصبي.
ويرجح الباحثون أن الكافيين يلعب دورًا أساسيًا في هذا التأثير، إذ يثبط نشاط الأدينوزين، وهي مادة ترتبط بالشعور بالتعب، مما يعزز اليقظة والانتباه. كما قد يساعد الكافيين على تحفيز إفراز الدوبامين، وهو ناقل عصبي يرتبط بالشعور بالمتعة والتحفيز، ما قد يفسر تحسن المزاج لدى بعض الأشخاص عند تناول القهوة باعتدال.
ورصدت الدراسة أيضًا اختلافات بين الرجال والنساء، إذ بدا التأثير الوقائي للقهوة أكثر وضوحًا لدى الرجال. ورغم ذلك، لم تجد الدراسة دليلًا قويًا على أن الاختلافات الجينية في طريقة استقلاب الكافيين كانت العامل الحاسم، ما يشير إلى أن نمط الاستهلاك نفسه قد يكون أكثر تأثيرًا.
ومع هذه المؤشرات الإيجابية، يشدد الباحثون على أن القهوة ليست علاجًا للقلق أو الاكتئاب، ولا يمكن اعتبارها بديلًا عن الدعم الطبي أو النفسي المتخصص. فاستجابة الأشخاص للكافيين تختلف من فرد لآخر، وقد يؤدي لدى البعض إلى الأرق أو زيادة القلق أو تسارع ضربات القلب، حتى عند تناول كميات قليلة.
وفي النهاية، تقدم الدراسة المنشورة في Journal of Affective Disorders رؤية متوازنة لعلاقة القهوة بالصحة النفسية، إذ تشير إلى أن تناولها باعتدال قد يكون جزءًا من نمط حياة صحي، بشرط مراعاة الفروق الفردية وتجنب الإفراط.