أبحاث فى التغذية
25 أكتوبر، 2026
34
لا تقتصر فوائد ممارسة الرياضة على تقوية العضلات وتحسين صحة القلب وحرق السعرات الحرارية، بل تمتد إلى تغييرات دقيقة تحدث داخل خلايا الجسم. فقد كشفت دراسة علمية حديثة أن جلسة واحدة من التمارين الرياضية يمكن أن تُحدث تغيرات واسعة في البروتينات الموجودة داخل خلايا الجهاز المناعي، وهو ما يفتح آفاقًا جديدة لفهم العلاقة بين النشاط البدني وصحة المناعة.
ووفقًا لدراسة نُشرت في مجلة «Nature Communications» خلال يناير 2026، فإن ممارسة التمارين الهوائية تؤثر في آلاف البروتينات داخل الخلايا المناعية الموجودة في الدم، كما تختلف طبيعة هذه التغيرات باختلاف شدة التمارين الرياضية.
دراسة تكشف ما يحدث لخلايا المناعة بعد الرياضة
أجرى الباحثون دراستهم على 23 شخصًا من البالغين الأصحاء، تراوحت أعمارهم بين 18 و35 عامًا تقريبًا، وكان جميع المشاركين من العدائين المعتادين على ممارسة النشاط البدني بانتظام.
وقارن العلماء بين تأثير التمارين المتقطعة عالية الشدة والتمارين الهوائية المستمرة متوسطة الشدة، مع مراعاة ضبط مدة النشاط وحجم المجهود المبذول للحصول على نتائج قابلة للمقارنة.
وجمع الباحثون عينات من دم المشاركين قبل ممارسة الرياضة، وبعد الانتهاء منها مباشرة، ثم بعد مرور ساعة، بهدف رصد التغيرات التي تحدث داخل الخلايا المناعية خلال هذه الفترة القصيرة.
تغيرات في أكثر من 6 آلاف بروتين داخل الجسم
اعتمد العلماء على تقنيات تحليل متقدمة لفحص أكثر من 6 آلاف بروتين داخل خلايا الدم المناعية، واكتشفوا تغيرات ملحوظة في عدد من البروتينات المرتبطة بوظائف المناعة وتنشيط الخلايا.
وأظهرت النتائج أن التمارين الرياضية عالية الشدة تسببت في تغيرات بروتينية أكثر وضوحًا مقارنة بالتمارين متوسطة الشدة، كما ظهرت بعض الاستجابات خلال ساعة واحدة من انتهاء النشاط البدني.
وتشير هذه النتائج إلى أن تأثير الرياضة لا يقتصر على التحسن البدني الظاهر، بل يصل إلى المستوى الجزيئي داخل خلايا الجسم.
كيف تؤثر التمارين الرياضية على جهاز المناعة؟
كشفت الدراسة أن ممارسة النشاط البدني ترتبط بتغيرات في المسارات البروتينية المسؤولة عن بعض الوظائف المناعية، وهو ما قد يساعد العلماء على فهم كيفية استجابة الخلايا المناعية للمجهود البدني.
كما توصل الباحثون إلى وجود ما وصفوه بـ«البصمة البروتينية المناعية»، وهي مجموعة من التغيرات البروتينية التي ارتبطت بمستوى اللياقة القلبية التنفسية لدى المشاركين.
وقد تسهم هذه النتائج مستقبلًا في تطوير فهم أكثر دقة للعلاقة بين مستوى اللياقة البدنية وكفاءة الاستجابات الخلوية المرتبطة بالمناعة.
ومع ذلك، أكد الباحثون أن هذه التغيرات لا تعني بالضرورة أن ممارسة الرياضة مرة واحدة تمنع الإصابة بالعدوى أو تعالج الأمراض، وإنما تعكس استجابات بيولوجية تحتاج إلى مزيد من البحث لمعرفة تأثيراتها الصحية على المدى الطويل.
هل التمارين عالية الشدة أفضل للمناعة؟
أظهرت نتائج الدراسة أن التمارين المتقطعة عالية الشدة أحدثت تغيرات أكبر في بعض البروتينات المرتبطة بوظائف الجهاز المناعي، مقارنة بالتمارين الهوائية متوسطة الشدة.
لكن هذه النتائج لا تثبت أن التمارين الشديدة أكثر فائدة للمناعة لدى جميع الأشخاص، خاصة أن الدراسة أُجريت على مجموعة صغيرة من الشباب الأصحاء المعتادين على ممارسة الرياضة.
وقد تختلف استجابة الجسم لدى كبار السن والأشخاص المصابين بأمراض مزمنة أو الذين لا يمارسون النشاط البدني بانتظام.
ولهذا شدد الباحثون على أهمية إجراء دراسات إضافية تشمل فئات عمرية وصحية مختلفة، لتحديد ما إذا كانت التغيرات نفسها تحدث لدى جميع الأشخاص.
الرياضة تحدث تغييرات داخل الجسم خلال ساعة
من النتائج اللافتة التي توصل إليها الباحثون أن بعض التغيرات البروتينية ظهرت بعد فترة قصيرة من ممارسة التمارين، ما يشير إلى سرعة استجابة خلايا المناعة للنشاط البدني.
وتساعد هذه النتائج في توضيح أن الجسم يبدأ في التفاعل مع المجهود الرياضي على المستوى الخلوي خلال وقت قصير، حتى وإن لم تكن هذه التغيرات محسوسة بصورة مباشرة.
ويرى الباحثون أن دراسة هذه الاستجابات الجزيئية قد تسهم مستقبلًا في فهم الآليات التي تقف وراء الفوائد الصحية المعروفة لممارسة الرياضة بانتظام.
ماذا تعني نتائج الدراسة لصحتك؟
تضيف هذه النتائج بُعدًا علميًا جديدًا لفوائد ممارسة النشاط البدني، إذ توضح أن الرياضة لا تؤثر فقط في العضلات والقلب واللياقة العامة، وإنما ترتبط أيضًا بتغيرات معقدة داخل خلايا الجهاز المناعي.
ورغم أهمية الاكتشاف، فإن الدراسة لا تقدم دليلًا على أن زيادة شدة التمرين تؤدي بالضرورة إلى تحسين المناعة أو الوقاية من الأمراض.
وتبقى ممارسة الرياضة بصورة منتظمة، وبشدة تتناسب مع العمر والحالة الصحية ومستوى اللياقة، من العادات المهمة للحفاظ على الصحة العامة.
وتؤكد الدراسة أن كل جلسة رياضية قد تترك بصمة جزيئية داخل الجسم، لكن فهم العلاقة بين هذه التغيرات والوقاية من الأمراض لا يزال يتطلب المزيد من الأبحاث العلمية.